من تغطية الاحتياج إلى صناعة الأثر: كيف يعيد القطاع غير الربحي تعريف دوره في رؤية 2030؟

ميمونة العنزي:-
حظي القطاع غير الربحي بمكانة مهمة في رؤية المملكة 2030 بوصفه شريكًا أساسيًا في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث استهدفت الرؤية رفع مساهمته في الناتج المحلي إلى 5٪ ليكون رافدًا تنمويًا مؤثرًا. وقد أعادت الرؤية صياغة استراتيجية هذا القطاع لينتقل من نموذج “تغطية الاحتياج” إلى نموذج “تحقيق الاستدامة” والإسهام في العائد الاقتصادي.
ويأتي مفهوم الاستدامة كنقلة نوعية في التفكير المؤسسي لكيانات القطاع غير الربحي، إذ لم يعد التركيز منصبًا على سؤال: كم صرفنا؟
بل أصبح الأهم أن نسأل:
كم استثمرنا؟
كم مشروعًا أطلقنا؟
كم شراكة استراتيجية عقدنا؟
كم اتفاقية فاعلة أبرمنا؟
كم وقفًا أسسنا؟
وكم أثرًا مستدامًا حققنا؟
ويبقى السؤال الجوهري: ما مدى إسهامنا الحقيقي في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030؟
إن الانتقال من ثقافة تغطية الاحتياج إلى ثقافة تحقيق الاستدامة يمثل تحولًا استراتيجيًا يضمن استمرار الأثر واستدامة العطاء، ويعزز مساهمة القطاع غير الربحي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهو تحول يتطلب وعيًا قياديًا، وإحساسًا عاليًا بالمسؤولية، وإيمانًا راسخًا بأن الاستدامة لم تعد خيارًا تكميليًا، بل أصبحت المسار الأساسي لتحقيق الرسالة وتعظيم الأثر.
كما يتطلب هذا التحول تبني نماذج تشغيل مبتكرة، وتنويع مصادر الدخل، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعين الحكومي والخاص، إضافة إلى الاستثمار في الحوكمة، وقياس الأثر، وبناء القدرات المؤسسية لضمان الاستدامة المالية والتنموية.
فحين تتحول الجمعية من جهة تعتمد على التبرعات الموسمية إلى مؤسسة تمتلك أوقافًا منتجة، أو مشاريع استثمار اجتماعي، أو برامج تحقق عائدًا مستدامًا، فإنها لا تضمن فقط استمرارية خدماتها، بل تعزز استقلاليتها المالية، وترفع جودة مخرجاتها، وتضاعف أثرها على المستفيدين والمجتمع.
إن رؤية المملكة 2030 لا تنظر إلى القطاع غير الربحي كقطاع مساند فحسب، بل كقطاع اقتصادي واعد، قادر على توليد الوظائف، وتحفيز الاستثمار الاجتماعي، وتعظيم العائد التنموي، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وفي الختام، فإن بناء قطاع غير ربحي مستدام لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومسؤولية مشتركة، تتطلب قيادة جريئة، وشراكات واعية، وانتقالًا حقيقيًا من ثقافة العطاء المؤقت إلى صناعة الأثر المستدام، بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبناء مستقبل تنموي أكثر كفاءة واستدامة.



